اليوم الثلاثاء الموافق 19 مارس 2019
13 رجب 1440هـ
اخر الاخبار
.
كلمة المدرسة
تهنيء مدارس الاعلام الحديثة الخاصة السادة اولياء الامور والطلبة و هيئة اعضاء التدريس بالمدرسة ببدء الفصل الدراسي الثاني لسنة 2019/2018 راجينَ لكم دوام التوفيق والنجاح بأذن الله تعالي.......
التربية عن طريق أسلوب الثواب والعقاب
فَطَرَ الله الإنسان على حبِّ المثوبة، وما فيها من لذَّة ونعيم؛ فإنه يَرْغَب في ذلك ويعمل من أجل تحقيقه، كما فطره - أيضًا - على بُغض العقاب، وما يَتَرَتَّب عليه من أَلَم وشقاء، فإنه يرهبه وينفر منه. ولهذا عُنِي القرآن الكريم والسنة النبوية بالترغيب والترهيب، كأسلوب مهمٍّ من أساليب التربية. والترغيب: وعْد يصحبه تحبيب وإغراء بمصلحة أو لذة أو متعة آجلة، مؤكدة، خيِّرة، خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعَمَل صالح، أو الامتناع عن لذَّة ضارة أو عمل سيئ؛ ابتغاءَ مرْضاة الله، وذلك رحمة من الله بعبادِه. والترهيب: وعيد وتهديد بعقوبة تترتَّب على اقتراف إثْم أو ذنب، مما نهى الله عنه، أو على التهاون في أداء فريضة مما أمَرَ الله به، أو هو تهديد من الله يقصد به تخويف عباده، وإظهار صفة من صفات الجبروت والعظمة الإلهية؛ ليكونوا دائمًا على حذر منَ ارتكاب الهَفَوات والمعاصي[1]. ويمتاز أُسلوب الترغيب والترْهيب في القرآن الكريم والسنة النبوية، عن غَيْره من أساليب الثواب والعقاب في المناهج التربويَّة الأخرى - بأنه يعتمد على الإقناع والبرهان، ويكون مصحوبًا بتصوير فنيٍّ رائع للثواب المرغَّب فيه، المتمَثِّل في الجنة، وكذلك للعقاب المنتظر، المتمثل في جهنم - أعاذنا الله منها –كما يعتمد الترغيب والترهيب في القرآن والسنة - أيضًا - على إثارة الانفعالات وتربية العواطف الربانية؛ كعاطفة الخوف من الله تعالى، والتذلُّل والخشوع له – سبحانه - والطَّمَع في رحمته، والأَمَل في ثوابه[2]. ومن أساليب الثواب والعقاب التي يُمكن أن تستنبط منَ السنة النبوية ما يلي: أولاً: من أساليب الثواب: 1- القُبلة: تُعَدُّ القُبلة للطفل الصغير أسلوبًا مهمًّا من أساليب الإثابة؛ وذلك لأنَّ للقُبلة دورًا فعَّالاً في تحريك مشاعر الطفل وعاطفته، كما أن لها دورًا كبيرًا في تسكين ثَوَرانه وغضبه، بالإضافة إلى الشعور بالارتباط الوثيق في تشييد علاقة الحب بين الكبير والصغير، وهي دليلُ رحمة القلب والفؤاد بهذا الطفل الناشئ، وهي برهان على تواضُع الكبير للصغير، وهي النور الساطع الذي يبهر فؤاد الطفل، ويشرح نفسه، ويزيد من تفاعله مع مَنْ حوله، ثم هي أولاً وأخيرًا السُّنة الثابتة عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مع الأطفال. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قَدِم ناس من الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أتُقَبِّلون صبيانكم؟ فقال: ((نعم))، قالوا: لكنا والله لا نُقَبِّل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَوَأَمْلِك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة؟!))[3]. 2- إدخال السرور على الطفل بمُداعبته ومُمازحته: إحساس الفرح والسرور يلعب في نفس الطفل شيئًا عجيبًا، ويؤثِّر في نفسه تأثيرًا قويًّا، فالأطفال - وهم براعم البراءة والصفاء - يحبُّون الفرح، بل هم أداة الفرح للكبار، ويحبون الابتسامة حين يشاهدونها على وُجُوه الكبار. وبالتالي فإن تحريك هذا المؤثِّر في نفس الطفل سيورث الانطلاق والحيوية في نفسه، كما يجعله على أُهْبَة الاستعداد لتلقِّي أي أمْر، أو مُلاحَظة، أو إرْشاد. وكان - صلى الله عليه وسلم - يُدْخل الفَرَح والسرور على نُفُوس الأطْفال؛ لما للسرور من بَراعة في إسعاد الطفل، ولما للفَرَح من قوَّة في التأثير[4]. 3- الإثابة بالمدْح والثناء: مدْح المربِّي للصغير وثناؤه عليه مِن أكثر الأُمُور التي تدخِل السرور على قلْبه، وتشعره بأهمية هذا العمل الذي مُدِح من أجْله، وتدفعه إلى تَكراره والاستكثار منه؛ وفي السنة النبوية ما يدلُّ على أهمية المدح والثناء، كوسيلةٍ من وسائل الإثابة والتشجيع على طَلَب العلم؛ من ذلك ما رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَن أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لقد ظننتُ ألاَّ يسألني أحدٌ عن هذا الحديث أول منك؛ لما علمتُ من حرصك على الحديث...))[5]. فبهذا المدْح والثناء الرَّقيق يستثير الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أبي هريرة الرغبة والحرص على طَلَب الحديث، ويدفعه دائمًا لأن يكون سبَّاقًا في السؤال عنه. 4- الإثابة بالمكافَأة المادية (الهدية): الهديَّة تُدخل السرور على النفوس، وتزيد أواصر المحبة بين المُهْدِي والمُهْدَى إليه، وهو ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((تهادوا تحابُّوا))[6]. ومن ثَم؛ فإن منَ الوسائل التربوية المُفيدة تقديمَ الهدايا والمكافآت المادية للمجيدين والمتفوِّقين من الناشئة والمتعلِّمين؛ فإن ذلك يثير نشاط المتعلِّم، ويبعث فيه الحماس، ويفجر فيه ينابيع الطموح والتنافُس والعزيمة، ويحرك فيه الجد والاجتهاد، والإخلاص والاستقامة[7]. ثانيًا: مِن وسائل العقاب: 1- الحِرْمان منَ التشجيع: من وسائل العقاب التي أرشدت إليها السنة النبوية: الحِرْمان منَ التشجيع؛ حيث يعمد المربِّي إلى حرمان مَن يعاقبه مما كان قد عوَّده من تشجيع، أو مدح، أو ثناء، وما شابه ذلك؛ يدل لهذا من سنته - صلى الله عليه وسلم - ما ترويه أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في قصة الإفك من موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - منها حين مرضتْ، وأنه لم يكن يزيد على قوله: ((كيف تِيكُم؟))[8]، دون أن ترى منه - صلى الله عليه وسلم - ما كانت تراه من اللُّطْف الذي كانتْ تعرفه منه حين تمْرض. وبهذه الطريقة في المعامَلة يضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمام المربِّين وسيلة من وسائل العقاب التربوي، قد تكون من أجدى أنواع العقوبات التي يُمكن أن يعاقب بها الطفل، وأكثرها ملاءمة لنفسيته في المراحل الأولى من دراسته[9]. 2- اللَّوم والتوبيخ: لا بأس أن يلجأ المرَبِّي إلى توبيخ الناشئ أو المتعلم إذا ما أخطأ خطأ يستوجب العقاب، ويمكن الزجْر عنه بالتوبيخ. وقد استخدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوب التوبيخ حيث دعت الحاجة إلى ذلك؛ حيث يُروى عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه -: أنه عَيَّر رجلاً بسواد أمِّه، فوبَّخه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: ((إنك امرُؤٌ فيك جاهلية))[10]. لكن ينبغي للمربِّي ألاَّ يُفْرط في استخدام التوبيخ؛ لأن ذلك قد يكون له تأثير سلبي على الناشئ، فلا بد أن يراعي المؤدِّب حال الصغار، والفروق بينهم في الطباع والأخلاق، فمنهم مَن يكفي في لومه وإشعاره بخطئه نظرةٌ قاسية، ومنهم من يرتجف فؤاده بالتلميح، ومنهم مَن لا يردعه إلا التصريح باللوم والتوبيخ، وعلى المربِّي أن يحدِّدَ الطريقة الملائمة للتوبيخ مع كل منهم. 3- الهجْر والمقاطعة: وقد لجأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الأسلوب في عقابه للثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك؛ حيث أَمَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته ألاَّ يكلِّموهم، فجرت المقاطعة بين المسلمين وبين هؤلاء الثلاثة؛ حتى ضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت[11]؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 117 - 118]. وهذا يدل على أن مؤدب الناشِئِين يحق له - بل يجب عليه أحيانًا - أن يَحرم المخطئين من مُعاشَرة زملائهم فترة من الزَّمَن؛ عقوبة وردعًا لهم، حتى يشعر بندمهم وتوبتهم ورجوعهم إلى الصواب، أو يأخذ عليهم العهْد بذلك، شريطة أن يعرفوا أخطاءهم، وسبب إنزال هذه العقوبة بهم، وأن يتوسَّم فيهم الاستفادة من هذه العقوبة[12]. 4- العقاب البدني: أقرَّت السنة النبوية العقاب البَدَني كوسيلة من وسائل مُعالجة الأخطاء، إذا توقَّف العلاج على ذلك؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر))[13]. لكن لا بد منَ الحَذَر من المبالغة في العقاب البدني؛ بل لا بد أن يقتصرَ المربِّي منه على أقلِّ ما يؤدِّي الغرض؛ ومن ثم ينبغي أن يراعي المربي عند إقدامه على العقاب البدني ما يلي: أولاً: الاكتفاء بإظهار أداة العقاب إن تم الزجْر بذلك؛ لأن كثيرًا من الصغار والأطفال يرتدعون وينزجرون بمجرَّد رؤيتهم للعصا أو السوط، ونحو ذلك من أدوات العقاب البَدَني، فإذا ارتدعوا وانزجروا، فقد حصل المقصود؛ فلا داعي إلى الإيقاع الفعلي للضَّرْب. وقد أرشدت السنة النبوية إلى مجرَّد إظهار أداة العقاب، وهو في حدِّ ذاته وسيلة من وسائل التأديب؛ حيث يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعًا: ((علِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت؛ فإنه أدب لهم))[14]. ثانيًا: الاقتصار على شدِّ الأذن ونحو ذلك، دون لجوء إلى الضرب، حيث كان ذلك مجديًا؛ لأن الصغير يتعرَّف بذلك على ألم المخالفة، وعذاب الفعل الشنيع الذي ارتكبه، واستحقَّ عليه شدَّ أذنه؛ فقد قال النووي في "الأذكار": روِّينا في كتاب ابن السني عن عبدالله بن بسر المازني الصحابي - رضي الله عنه - قال: بعثتني أمي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقِطْف من عنب، فأكلْتُ منه قبل أن أبلغه إياه، فلما جئت أخذ بأذني وقال: ((يا غُدَر))[15]. ثالثًا: عند اللجوء إلى الضرْب ينبغي ألاَّ تقلَّ سنُّ المضروب عن عشر سنين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في أمر الصلاة: ((واضربوهم عليها وهم أبناء عشر))[16]، فإذا كانت الصلاة - وهي عماد الدين - لا يجوز الضرب عليها قبل سن العاشرة، فما عداها من الأمور أهون وأيسر؛ فلا يعاقب عليه الطفل بالضرب قبل العاشرة أيضًا. كما ينبغي أن يتراوح عدد الضربات بين واحدة وثلاث فقط؛ فقد كان عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - يكتب إلى الأمصار: "لا يَقْرِن المعلم فوق ثلاث؛ فإنها مخافة للغلام". وعن الضَّحَّاك قال: "ما ضرب المعلِّم غلامًا فوق ثلاث، فهو قصاص"[17]. ولا بد من العدل في الضرْب بين الصبيان؛ فعن الحسن قال: "إذا لم يعدل المعلم بين الصبيان كُتِب من الظَّلَمة"[18]. ولا بدَّ - أيضًا - أن تكونَ أداة الضرب أداة مناسبة لسنِّ الصغير؛ فلا يضرب بأداة تؤلِمه إيلامًا شديدًا، أو تُحدث له كسورًا، أو جروحًا، أو عاهاتٍ؛ لأن الغرضَ - أولاً وأخيرًا - من هذا الضرْب هو التأديب، وليس التشفِّي والانتقام. ويجتنب المربِّي عند الضرب الوجْه والرأس بما حوى، والمناطق الحسَّاسة من الجسم؛ لأن الضرب في هذه المواضع قد يؤدِّي إلى حدوث عاهات للصغير، وقد نَبَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله: ((إذا ضرب أحدكم فليتَّقِ الوجه))[19]. ومِن حُسْن الأَدَب مع الله - عزَّ وجَلَّ - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -: أن يرفع المؤدِّب يده عن الصغير إذا ذكر اسم الله - تعالى - أو النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو عادة كثير من الصغار عند تعرُّضهم للعقاب؛ يدل لذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: ((إذا ضرَب أحدكم خادِمه فذكَر الله، فارفعوا أيديكم))[20]. وقد يقول قائل: إن الطفل إذا علم بهذا قد يتخذها وسيلة للتهرُّب من العقوبة، والعَوْد إلى الخطأ، أو يتخذها حيلة للتخلُّص من الضرب، ويعاود فِعْلَه. فالجواب عن ذلك: أنه يجب الاقتداء بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فيه من تعظيم الله - تعالى - في نفس الطفل، وهو كذلك علاج للضارب من أن حالته الغضبية كبيرة جدًّا؛ مما استدعى من الطفل ذكر الله تعالى والاستغاثة به. ولن نتكلم مع ضعاف الإيمان الذين إذا سمعوا مثل هذه الاستغاثات، ازدادوا حمقًا وتعسُّفًا وضرْبًا، فهؤلاء بحاجة أن يذكروا ذنوبهم، وتقصيرهم مع ربهم، وحِلم الله - تعالى - عليهم، مع قدرته عليهم في كل آنٍ[21]. وهذا يقودنا إلى أمر مهم، وهو أنه يجب على المربِّي ألاَّ يُقْدمَ على عملية الضرب والتأديب وهو في حال غضب شديد؛ فقد كتب عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - إلى أحد عماله: "لا تعاقب رجلاً عند غضبك عليه؛ بل احبسه حتى يسكن غضبك، فإن سكن فأخرجه، فعاقبه على قدر ذنبه". هذه قاعدة تربوية يجب ألاَّ يحيد عنها المربُّون، ولا ينساها الآباء والأمهات: "لا تؤدِّب وأنت غضبان"؛ لأن الغضب يفقد صاحبه الحكمة والبصيرة والروِيَّة في الحكم، والأناة في بحْث الأمور بحثًا عقليًّا من جميع جوانبها، وحينئذ يأتي الخطأ، ويحدث الظُّلم، ويعيش صاحبه في حالة غضبية، لا يفرق بين الانتقام والتأديب، فالانتقام يصدر عن مبغض كاره، والتأديب يصدر عن قلب رحيم[22].